كتب عبد الله عثمان:
مع الهدوء والسكينة المخملية الليالي تسير سيرها الناعم، تتهادى في خشوع النوم الذي يمنحنا الحلم، فرصة لقنص لحظة من لحظات الخيال الخلاب، ما عدنا نحلم وهذه كارثة!! حتى وإن زارنا الحلم مرة تفترسه شراسة الواقع ويتحول لكوابيس مريعة، دمر الضجيج ليلنا وأصمت الأصوات نعومة ليالينا، وأحالها أزيز الرصاص ونهيق الزعماء إلى ركام مريع يقتات عليه الحزن وتعلو به موجات الكآبة لتفترس أي لحظة سحر أو نبضة جمال تقترب من ليلنا لتحييه من جديد وتبث فيه روح النعومة وتعيد إليه أحلام طفولتنا البريئة، ثم تأتي الكتابة بتداعيها الحر الفريد، تأتي كموجة قوية من موجات الشعور الجارف لكيان الإنسان فتلقي بكلماتها كمراسي لرحلة طويلة يمر خلالها قطارنا بفضاء رحب تتهادى فيه الأنغام التي تشبه الصمت، والصور التي تعيد بهاء الحلم، فتنسج منهما معا وحدة ديالكتية تفضي إلى إحياء الليل وبهاءه وسحره، تغيب فيها الكلمات رغم وجودها لتتدفق من هذا الغياب ذرات إنتشاء من المعنى المنثور في النغم والتصوير، مصطفى درويش والذي يكتب في فضاء لا نعرفه لكننا نشعر بافتتان بسحره وغرابته، يكتب هذا النص من فيسفساء فنية تناثرت في أرجاء الوجود وإذ هو في كتابته يقوم بدور الحلم في جميع تلك الفسيفساء، عقل باطن هو بحجم يصلح ليكون عقل باطن للتجربة الإنسانية كلها، ينطلق مصطفى في كتاباته من أجزاء في الواقع ويحلق بمركبة خياله في فضاءات من البهاء والدهشة، لا بد وأنت تقرأ لمصطفى أن تستحضر كل تلك الأجزاء التي جمع منها لوحته أو بالأحرى سيمفونيته، لا بد أن تستحضر هنا لحن الأغنية وتسمعه، وأن تبحث عن صورة البشتونية، ونص الرافعي، وأن تستحضر ذكرى طفولتك، وأن تشعر بغصة ضحايا الحروب، وهكذا يطوف بك مصطفى كحلم بين أركان الجمال والشعور ويمنحك في النهاية مدارا تحلق فيه بعيدا عن قسوة الواقع ليعيد بهاء الليل.
يقول
مصطفى درويش
:كن لنفسك وحسب. لاتظن أن الناس سيكونون لك حتى النهاية، لا أحد بجوار الراحلين. كن أنت أنت وظلك وقلمك ومن يستمع إليك وناصحك ومن تنصح، والقريب والبعيد القادم، والأمل، والمُنتظر، والمُخَلِص، ونسمة الهواء وموسيقى مقدمة ألف ليلة وليلة معك كمكافأة اولية على نهجك الجديد.
اسمع: (ياحبيبي، ياحبيبي .. يا اااااا حبيبي ..)
ثلاث متتاليات كل واحدة متفردة بذاتها كامرأة بشتونية.
(الليل وسماه ونجومه وقمره، قمره وسهره
وانت وأنا، يا حبيبي أنا، يا حياتي انا.)
تصفيق حار، ونداءات بالعظمة، فتكرار لحضور البشتونية، وغياب عن الناس. حتى الحب لايصبح حبا إلا إذا امتزج طرفاه. (وانت وانا .. يا حبيبي أنا، يا حياتي أنا)
والرافعي يقول: لايصبح مابين الإثنين أن يُقال له حبًا إلا إذا قال أحدهم لآخر يا أنا. أو كما قال، أو كما ادعى، أو كما أحب !
عاودتني ذكرى، وليلة حب حلوة، وكتابة ساذجة قديمة، عن تشبيه بين غلق المعابر و النقطة في آخر الجملة، فلعنت المعابر، وصرت كلما كتبت جملة ذات معنى ختمتها كهذه ..
في الصف السادس الإبتدائي دخل علينا ناظر المعهد في أولى حصص اللغة العربية، وشرح لنا درس علامات الترقيم ببراعة !
رغم قسوته وشدته، إلا أنه كان بارعًا في الشرح. كنت أمهر من يستخدم علامات الترقيم، حتى كانت نظرة من علٍ فوضعت نقطة بدلًا فاصلة، وصار القلب مثقوبًا.
- ( والقلب لاينعم وفيه ثقوب.) - الحلاج.
في مرة لاحقة كان يجب أن أضع قوسين للإحاطة بمزيج من نظرة وإبتسامة وسلام، فوضعت علامة تعجب، ومن بعدها وأنا أسأل عن ضحايا الحروب، وأتابع الأخبار، لأحاول إيجاد تعجب ينسيني تلك الحادثة.
تعليقات
إرسال تعليق