التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفاصيل عادية

 


مساء الخير.
ما الذي جرى؟
يقول الصوت الشجن: ع اللي جرى من مراسيلك.. ويكمل ثم أراني مرى أخرى مأسورا دون معرفة السبب الحقيقي بعد!
ثم ما هذا الشارع الطويل الذي سأقطعه لأصل؟
هو نفسه الشارع الموازي لذلك الذي عهد إلي بربات شعري، فليت شعري، أينهن الآن!
التفاصيل تتزاحم. كثافة لامثيل لها، ورأسي.. رأسي ياناس تنفجر مرة إثر مرة تلو أخرى!
المسافة التي أقطعها لأصل كل يوم لاتساوي شيئا مقارنة بالمسافة التي يقطعها ذو القلب المثقوب الذي يغني داخلي كل ليلة: والقلب لا ينعم وفيه ثقوب، راغبا في الوصول، ولا أحد يعرف إلى أين، ولا لمن!
هو يردد كل ليلة: متى وصلك يكون؟ ثم يغيب.
هي نفس المسافة التي فقدت فيها مرة زرا من قميص جديد لم ألبسه من بعد، وفيها تلقيت رسالة مفاجئة خجلت منها ولم أعرف كيف يكون الرد. عامان مضيا، ولازلتُ خجلا ولم أرد بعد.
يقول الصوت "متغربين احنا" والأجواء جميلة على غير العادة هذه الأيام!
والأولاد في الشرفات هنا يتبادلون الحديث. كنتُ أظن أن هذا الأمر مع أولادي والأولاد في الشرفات المجاورة فقط. الآن يخيل إلى أن هذا سمت المدينة، وربما هناك متخصص ما في العلوم الاجتماعية يرصد مثل هذي الأمور فيصيب مايشاء منها، وقررتُ لو قابلني أحدهم سأقص عليه الفروق بين أبناء الريف وابناء المدينة.
يقول الصوت: بس أما تيجي وأنا أحكيلك، ع اللي جرى.
أين وضعت ساعة اليد آخر مرة؟ أفكر اليوم أن أصلحها. الساعة هدية، وأنا أحب الإهتمام بالهدايا. الهدية تعني أن ثمة من يفكر فيك ويهتم بك ولما تحب، أفلا أكون شكورا؟
الشمس كانت تغيب، والسحاب قطع متجاورات، والقمر نصف مكتمل، والنجوم .. آه من النجوم.. لن تظهر الليلة أيضًا!
لمن سأترك كل هذه الملاحظات والتفاصيل إن لم أحصل على نجمتي الليلة؟
يقول الصوت: ماحد قال عنك خبر يفرحنا، ولا حد جاب منك كلمة تريحنا.
سئل الإمام: متى الراحة؟ فقال: عند وضع أول قدم في الجنة.
وقال أول من سبق: لا آمن على نفسي ولو كانت إحدي قدمي في الجنة.
هل ثمة جنة بالدنيا؟ أليست الحكاية قطعة من الجنة؟
في الجوار الآن وقبل نهاية الشارع بقليل فرن يصدر روائح طيبة، من الخسارة أني لا أستطيع تناول شيء منه! لا أميل إلى الخبز ..إلا قليلا!
فقط، لو كان ذلك الخبز الريفي القديم مما كانت تعده أمي أو جدتي! تكفينا الروائح الآن. فنمضي..
لا أسمع أي شيء من حولي.. يثير عيني مشهد سائق دراجة نارية تقطع الطريق على شبيهة بسرعة، ثم مالبثا أن تصافحا وتبادلا العناق!
يارب الناس.. عرب وعجم!
أما كانت تكفيني من التفاصيل تتابع الحسناوات وقطع السحاب وصور العابرين ولافتات المحلات وعربات الفاكهة والعائدين من أعمالهم والخارجات من محلات التزين والحيوانات الطوافة حتى أقف امام هذا المشهد؟
قد لايعرف أي أحد معنى ذلك!
لا، بل لن يعرف أيكم ما معنى هذا!
هذان شابان من الأرياف! خرجا إلى المدينة منذ زمن سعيا للرزق الواسع كما تخيلا، وكان أحدهما صاحب حرفة، والآخر صاحب مال يسير. مرت سنوات. ثم تقابلا فجأة وكاد أحدهما يصدم الآخر، فلما تقابلت الأعين تبدل كل شيء!
كيف يتبدل العنف المحتمل إلى عناق حار كهذا الذي أرى؟
كيف يرتب المرء لنفسه أن يذهب من طريق فيسري عليه قدر الله إلى طريق غيره؟
ماذا لو كان بالمشهد خصمان؟
طيب ماذا لو كان حبيبان افترقا دون رغبة منهما؟
ماذا لو كان مجرد لقاء بين غريبين؟
هل يمكنني أن أسرع الخطى إلى تلك الغريبة على رأس الشارع محاولا الحصول على ربة شعر جديدة، أو لعلي أحصل على تفاصيل حكاية أخرى لن تكتمل إلا بمخيلتي؟
سؤال أخير: إلى متى يمكن لرأسي أن تتحمل كل تلك التفاصيل؟
أكثر ما يقوله الصوت وهو يغني: آه.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ماذا يحدث لنا؟

  - ماذا يحدث لنا؟ يتساءل صديقي كريم. ويخبرني أحمد أنه ينوي ان يكتب شيئًا أنا فيه، ولما كتب عبد الله عن صديقنا الغائب جعله في قلبي. وأنا الآن بينما أفكر في سؤال كريم مجردًا من باقي منشوره أقول: من نحن تحديدًا الذين يقصدهم؟ أقاوم النعاس. لكن كيف سأقاوم الوجود وكل هذي التفاصيل؟ في الصباح يكتب صديق عنها بسبب النعاس قد نسيت كل ماحدث قبل ساعة فنسيت اسمه، ومنذ دقائق أطالع صورة بها تفاصيل أخرى. من انا؟ هل أذكرني؟ بداخلي إنسان يسمع ام كلثوم ويلومه الأزهري على مافرط، وأيضًا ذلك المحب للناس والذي قرر أن يقاوم بعضهم ببعض، فيلتزم مجموعة ويبحث عن المشترك ويمضي، وتقول الست: ياحبيبي طاب الهوى ماعلينا لو حملنا الأيام في راحتينا، وتخبرني زوجتي بأن ابنتي كبرت ويجب ان تتعلم الآداب العامة وتحفظ القرآن، ويخبرني انا المحب للظهور أنني ما أرسلت نصوصًا للأصدقاء على الخاص إلى لينقلوها عني، فيرد غيره: لا ! لستَ بهذا بهذا السوء، أنت لست سوى مقبل على الناس، ويراهم من بعيد رجل ريفي حصل على درجة عالية في التعليم يجلس على مقعد خشبي في قمة حقل واسع يستظل بشجرة توت ولايبالي بهم. تذكرت. صديقي الذي كتب عن التفاصيل هو...

فاتني أن أكون.

  مساء الخير .. أتعرفون ما الذي فاتني وأنا صغير؟ كثيرُ قد فاتني والله يا أصدقاء. فاتني ان أتعلم ركوب الدراجات، وأن أقول لا، وأن أتشاجر، وأن أدق أجراس بيوت الجيران وأجري، وأن ألعب حتى أصل آخر الشارع من جهة الجنوب، تحديدًا من الصيدلية حتى الزاوية، فيفرقنا أصحاب البيوت هناك بالسب حينًا والتوعد حينًا آخر، قائلين: العب عند بيتك. أبناء الجيران كانوا يلعبون. أن لم أفعل. لا أعرف لما. ربما لأنني حرصتُ على أن يسبني أحدهم، فأصير ولدًا غير صالح جلب لأهله السب. وربما لأنني كنت أخاف. أخاف أن أجري فأقع، أن تتسخ ملابسي، أو أن أعرق فأضطر للإستحمام بالماء البارد، أو ربما وهذا ظني أن أعتاد الفرح والمرح ! فاتني أن أصاحب احدًا، وأن أتخذ من بلدتي صديقًا صدوقًا ملازمًا لي منذ الصغر. ليس ثمة أحد. لدي الكثير من الأصدقاء لكن هذا الذي كظلك ليس هنا. أتذكر في صغري أني قرأت قصة أبو ذر. أعجبتني. عاش وحيدًا ومات وحيدًا. لما كبرت قليلًا اتخذتُ الكثير والكثير من الأصدقاء. لكن فاتني ذلك في الصغر. أيضًا فاتني أن أكون جريئًا مثل أخي الأكبر، وأتحدث إلى الفتيات بثقة. وفاتني أن أكون مثل الأوسط فأتحدث إليهن بخجل ! كنت دائ...

دوروا على غيري

  مساء الخير .. قبل أي شيء، لقد بدلتُ مقعدي على الأريكة. الموضع القديم هبط. وصارت الأريكة منه كوادي بين تلتين. جلستُ بموضع آخر. التغيير مطلوب عمومًا. سآخذ وقتًا في التعود على الجديد، لكن في النهاية سأعتاد، ثم حين أعتاد، سأبدله. وهكذا. ثم أما قبل .. قلبتُ في مجموعة مواد صوتية لدي. وأدرتها جميعًا بشكلٍ عشوائي. وجدت فيها: طلعت فوق السطوح أنده على طيري لقيت طيري بيشرب من أنا غيري ندهت بعلو صوتي وقولت ياطيري قالي: زمانك مضى دور على غيري. وأما بعد: أيها الأصدقاء الطيبين، لقد أصبحتُ أتجنب النوم قدر المستطاع. لم أعد أحبه. لذا فإنني اتناول القهوة والشاي كثيرًا. في الحقيقة أنا أخاف من النوم. النوم موت. أخاف أن أموت دون أسجل كل هذه الملاحظات وقبلما أدون كل هذه الأفكار. وأخاف أن أرحل وقد تركت خلفي أقلامًا مكتملة الحبر، وأوراقًا بيضاء، ثم آخذ معي الحب/ تعليق على غلاف دون كيخوته/ رأيي في كبار قريتني/ قصة حب لم تكتمل/ وصية سجين لم تخرج للنور/ سري الأكبر / ومعلوماتي حول جارنا غريب الأطوار / اغنيتان قديمتان/ دمع أمي / حكاية لم يحكها أبي لأنه فزع على خبر موت عمي الشاب / بكاء عماتي بكاءً مريرًا على ر...